أحمد بن محمد القسطلاني
105
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
والناس يتفاوتون فيها وبه يحصل التفاضل في العمل ، شرع يذكر تفاضل الأعمال فقال : 15 - باب تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ 22 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا - أَوِ الْحَيَاةِ ، شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً » ؟ قَالَ وُهَيْبٌ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو « الْحَيَاةِ » . وَقَالَ « خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ » . [ الحديث 22 - أطرافه في : 4581 ، 4919 ، 6560 ، 6574 ، 7438 ، 7439 ] . ( باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ) أي التفاضل الحاصل بسبب الأعمال ، ولفظ باب ساقط عند الأصيلي . وبالسند أوّل هذا المجموع إلى المؤلف قال : ( حدّثنا إسماعيل ) بن أبي أُويس بن عبد الله الأصبحي المدني ابن أُخت إمام دار الهجرة مالك ، وتكلم فيه كأبيه لكن أثنى عليه ابن معين وأحمد ، وقد وافقه على رواية هذا الحديث عبد الله بن وهب ومعن بن عيسى عن مالك ، وليس هو في الموطأ . قال الدارقطني : هو غريب صحيح ، وأخرجه المؤلف أيضًا عن غيره فانجبر اللين الذي فيه ، وتوفي إسماعيل هذا في رجب سنة سبع أو ست وعشرين ومائتين . ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( مالك ) هو ابن أنس الإمام ( عن عمرو بن يحيى ) بن عمارة بفتح عين عمرو ( المازني ) المدني المتوفى سنة أربعين ومائة ، ( عن أبيه ) يحيى ( عن أبي سعيد ) سعد بن مالك ( الخدري ) بالدال المهملة ( رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( يدخل أهل الجنة الجنة ) أي فيها ، وعبر بالمضارع العاري عن سين الاستقبال المتمحض للحال لتحقق وقوع الإدخال ، ( و ) يدخل ( أهل النار النار ، ثم ) بعد دخولهم فيها ( يقول الله تعالى ) وفي رواية عز وجل للملائكة ( أخرجوا ) بهمزة قطع مفتوحة أمر من الإخراج زاد في رواية الأصيلي من النار ( من ) أي الذي ( كان في قلبه ) زيادة على أصل التوحيد ( مثقال حبة ) ويشهد لهذا قوله أخرجوا من النار من قال لا إله إلاّ الله وعمل من الخير ما يزن كذا أي مقدار حبة حاصلة ( من خردل ) حاصل ( من إيمان ) بالتنكير ليفيد التقليل ، والقلة هنا باعتبار انتفاء الزيادة على ما يكفي ، لا لأن الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به كافٍ لأنه علم من عرف الشرع أن المراد من الإيمان الحقيقة المعهودة ، وفي رواية الأصيلي والحموي والمستملي من الإيمان بالتعريف . ثم إن المراد بقوله حبة من خردل التمثيل ، فيكون عيارًا في المعرفة لا في الوزن حقيقة ، لأن الإيمان ليس بجسم ، فيحصره الوزن والكيل ، لكن ما يشكل من المعقول قد يردّ إلى عيار محسوس ، ليفهم ويشبه به ليعلم ، والتحقيق فيه أن يجعل عمل العبد وهو عرض في جسم على مقدار العمل عنده تعالى ، ثم يوزن كما صرّح به في قوله : وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ، أو تمثل الأعمال بجواهر فتجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة ، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة ، أو الموزون الخواتيم . وقد استنبط الغزالي من قوله أخرجوا من النار من كان في قلبه الخ . نجاة من أيقن بالإيمان ، وحال بينه وبين النطق به الموت ، فقال : وأما من قدر على النطق ولم يفعل حتى مات مع إيقانه بالإيمان بقلبه ، فيحتمل أن يكون امتناعه منه بمنزلة امتناعه عن الصلاة ، فلا يخلد في النار . ويحتمل خلافه ، ورجح غيره الثاني ، فيحتاج إلى تأويل قوله في قلبه ، فيقدّر فيه محذوف تقديره منضمًّا إلى النطق به مع القدرة عليه ، ومنشأ الاحتمالين الخلاف في أن النطق بالإيمان شطر فلا يتم الإيمان إلا به ، وهو مذهب جماعة من العلماء ، واختاره الإمام شمس الذين وفخر الإسلام ، أو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط ، وهو مذهب جمهور المحققين ، وهو اختيار الشيخ أبي منصور ، والنصوص معاضدة لذلك قاله المحقق التفتازاني . ( فيخرجون منها ) أي من النار حال كونهم ( قد اسودوا ) أي صاروا سودًا كالحمم من تأثير النار ، ( فيلقون ) بضم المثناة التحتية مبنيًّا للمفعول ( في نهر الحيا ) بالقصر لكريمة وغيرها أي المطر ( أو الحياة ) بالمثناة الفوقية آخره ، وهو النهر الذي من غمس فيه حيي ، ( شك مالك ) وفي رواية ابن عساكر يشك بالمثناة التحتية أوّله أي في أيهما الرواية ، ورواية الأصيلي من غير الفرع الحياء بالمد ولا وجه له ، والمعنى على الأولى لأن المراد كل ما تحصل به الحياة ، وبالمطر تحصل حياة الزرع بخلاف الثالث ، فإن معناه الخجل ، ولا يخفى بعده عن المعنى المراد هنا ، وجملة شك اعتراض بين قوله فيلقون في نهر الحياة السابق ، وبين لاحقه وهو قوله ( فينبتون ) ثانيًا ( كما تنبت الحبة ) بكسر المهملة وتشديد الموحدة ، أي كنبات برز العشب ، فأل للجنس أو للعهد ، والمراد